المقريزي
127
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ونحن ونقول ايه ؟ إلى أن قال : بس انزلوا ما بقي عليّ همّ ، ما بقي يهمكم كبير شيء ، قلنا كيف ؟ قال ما بقي إلّا البتراء ورأسين انزلوا ، فما عليكم منهما . قلنا كذا عليك لعنة اللّه يا عدوّ اللّه لا نزلنا للصبح فالمغرور من تغرّه . وصحنا بالقاضي أبي حفص القيم فأوقد الشمعة ولبس صباغات الخطيب خوفا على رجليه ، وجاء فنزلنا في الضوء وطلعنا المئذنة فنمنا إلى بكرة ، وتفرّق شملنا بعد تلك الليلة ، وجمع القاضي القيم عياله ثاني يوم وأدخلوا عصيا تحت المنبر وسعفا وشالوا الحصر فلم يظهر لهم شيء ، وبلغ الحديث والي القرافة ابن شعلة الكتاميّ ، فأخذ الحاوي فلم يزل به حتى جمع ما قدر عليه وقال : ما أخليه إلّا إلى السلطان ، وكان الوزير إذ ذاك يأنس الأرمنيّ . وهذه القضية تشبه قضية جرت لجعفر بن الفضل بن الفرات وزير مصر المعروف بابن جرابة ، وذلك أنه كان يهوى النظر إلى الحيات والأفاعي والعقارب وأم أربعة وأربعين وما يجري هذا المجرى من الحشرات ، وكان في داره قاعة لطيفة مرخمة فيها سلل الحيات ولها قيم فرّاش حاو من الحواة ، ومعه مستخدمون برسم الخدمة ونقل السلال وحطها ، وكان كلّ حاو في مصر وأعمالها يصيد ما يقدر عليه من الحيات ، ويتباهون في ذوات العجب من أجناسها ، وفي الكبار وفي الغريبة المنظر ، وكان الوزير يثبهم على ذلك أو في ثواب ، ويبذل لهم الجمل حتى يجتهدوا في تحصيلها ، وكان له وقت يجلس فيه على دكه مرتفعة ويدخل المستخدمون والحواة فيخرجون ما في السلل ويطرحونه على ذلك الرخام ، ويحرّشون بين الهوام وهو يتعجب من ذلك ويستحسنه ، فلما كان ذات يوم أنفذ رقعة إلى الشيخ الجليل ابن المدبر الكاتب وكان من أعيان كتاب أيامه وديوانه ، وكان عزيزا عنده ، وكان يسكن إلى جوار دار ابن الفرات يقول له فيها : نشعر الشيخ الجليل أدام اللّه سلامته ، أنه لما كان البارحة عرض علينا الحواة الحشرات الجاري بها العادات ، انساب إلى داره منها الحية البتراء ، وذات القرنين ، والعقربان الكبير ، وأبو صوفة ، وما حصلوا لنا إلّا بعد عناء ومشقة وبجملة بذلناها للحواة ، ونحن نأمر الشيخ وفقه اللّه بالتقدّم إلى حاشيته وصبيته بصون ما وجد منها إلى أن تنفذ الحواة لأخذها وردّها إلى سللها ، فلما وقف ابن المدبر على الرقعة قلبها وكتب في ذيلها ، أتاني أمر سيدنا الوزير خلد اللّه نعمته وحرس مدّته بما أشار إليه في أمر الحشرات ، والذي يعتمد عليه في ذلك أن الطلاق يلزمه ثلاثا إن بات هو وأحد من أهله في الدار والسلام . وفي سنة ست عشرة وخمسائة أمر الوزير أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالأجلّ المأمون البطائحيّ ، وكيله أبا البركات محمد بن عثمان ، برمّ شعث هذا الجامع وأن يعمر بجانبه طاحونا للسبيل ، ويبتاع لها الدواب ويتخير من الصالحين الساكنين بالقرافة من يجعله أمينا عليها ، ويطلق له ما يكفيه مع علف الدواب وجميع المؤن ، ويشترط عليه أن يواسي بين الضعفاء ويحمل عنهم كلفة طحن أقواتهم ، ويؤدّي الأمانة فيها ، ولم يزل هذا